ترامب وحدود الديمقراطية الليبرالية

الكاتب: محمد الصادق.
تاريخ النشر: مايو 2017.

لسنواتٍ خلت، جرى التعامل مع الديمقراطية الأميركية، وكأنها ملهمة لشعوب العالم الثالث. فالنموذج الليبرالي، بنسخته الأمريكية، عُمل على تصديره، بشكلٍ منقطع النظير، لكن، فقط على الدول التي لم تكن على وئامٍ مع السياسات الخارجية لحكومة العالم، أما الدول التي خضعت، وقبلت بالتبعية، فلم تكن مضطرةً لمسايرة الصيحة، ولو شكلياً.
قد يكون من حسن حظ العالم أن الإمبراطورية تعيش أزمة حكم، تطول أو تقصر، فالرئيس القادم من خارج “النظام”، كما كان يُحب أن يلقب نفسه في أثناء حملته الانتخابية، وإنْ لم يكن هذا الادعاء دقيقاً بطبيعة الحال؛ لأن النخبة الاقتصادية الرأسمالية من صلب النظام الأميركي، بل رأس حربته، في تثبيت الهيمنة داخلياً وخارجياً. إلا أن الواضح، أن سياسة الرئيس ترامب لا تحظى بقبولِ باقي قوى النظام الأميركي، وفي مقدمتهم الأجهزة الأمنية، مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي أي) والمخابرات المركزية (سي آي إيه) خصوصاً، بعد أن عزل الرئيس رئيس “إف بي آي”، جيمس كومي، حيث تسربت أخبار أن الرئيس أفشى أسراراً بالغة الحساسية لصالح الروس عن وجود عنصر مخابرات إسرائيلي داخل “داعش”، وأن أعضاءً في الكونغرس في طريقهم إلى فتح تحقيقٍ مع الرئيس. الآن، بغض النظر، إن كانت للدعاية المكثفة التي تبثها الآلة الإعلامية المناهضة للرئيس الجديد على مدار الساعة ما يسندها، وكيف سينعكس الضغط على فترة ولايته، لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن جهات عدة في قلب النظام لا ترغب أن يحكمها ترامب، أو على أقل تقدير، سوف تعطّل إدارته، ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
الاستنتاج الأول لهذه المعركة الحامية الوطيس، بين الرئيس الآتي من خارج “المؤسسة” والنظام بعناصر قواه التقليدية، أنهما اليوم في حالة مواجهة، لمنع الرئيس من “الاستئثار بالسلطة”، كما يقول معارضوه، حيث كتبت مجلة نيويوركر مقالاً “ترامب يظهر لا يفهم حدود صلاحيات الرئاسة”. أو لمنعه من الحكم، كما يقول أنصاره الذين يحتشدون حوله في خطاباته الأخيرة.
المهم مما تقدّم أن الرئيس لن يمارس صلاحياته بحريةٍ تامة، وهذا يعطينا مؤشراً إضافياً على أن الديمقراطية الليبرالية، بنموذجها الأميركي، ليست من النوع الذي يسمح بتغيير قواعد اللعبة وأولويات الحكم، ولو أتى إلى البيت الأبيض رئيسٌ طموح من خارج دائرة النخبة التقليدية، كآل كلينتون وآل بوش، فالرئيس لابد وأن يراعي مصالح مختلف النخب، والقوى الأساسية التي تشكل أعمدة النظام الأميركي. بل على العكس، قد تجازف المؤسسة في سبيل حماية مصالحها بتعميق الانقسام الاجتماعي الموجود أصلاً، والمترجَم حملاتِ تواقيع من أجل انفصال بعض الولايات.
الآن، بغض النظر عن نتائج المعركة في المرحلة الحالية، في الحد الأدنى، تعطي انطباعاً عن حجم الانقسام الاجتماعي داخل أميركا، وهو أكثر جلاءً مع ترامب، إن في المظاهرات التي تبعت احتفال الرئيس بوصوله إلى الحكم، أو تلك التي احتجت عليه منذ ساعة إعلان فوزه.
إذاً، للديمقراطية الليبرالية، بطبعتها الأميركية، حدود، فالاختيار هو داخل النخب، وليس من خارجها، وهذا ما أشار إليه الكاتب بول كروغمان، في قوله “نحن لا نملك حزبين سياسيين، بل حزباً واحداً بجناحين، وإننا أفضل ديمقراطية قابلة للشراء، فللمؤسسة الأميركية سياستها الراسخة، مهما كانت خلفية الرئيس”. في النهاية، سوف تظل أميركا على سياستها الخارجية، تحمي حلفاءها، بغض النظر عن طبيعة النظام، أكان الحكم ديمقراطياً أم ديكتاتورياً، وستسعى إلى إسقاط خصومها، ومحاصرتهم وتدميرهم. هذا على الأقل ما شاهدناه في العراق وسورية، وما تسعى إلى فعله بكوريا الشمالية. على المستوى المحلي، ثمّة مصالح اقتصادية كثيرة لقوى السوق، تجهد لحفظها، ولن تفرّط بها قيد أنملة، كما حدث خلال قمع حركة “احتلوا”، وهذا ما سيحدث مع دونالد ترامب، ولو اضطرت المؤسسة إلى محاصرته، وإسقاطه بدعاوى إفشاء أسرار الدولة للعدو الروسي، وغيرها من المسرحيات، والحجج البليدة التي تستخرجها النخب الأميركية الحاكمة، وقت ما تشاء.
للديمقراطية الليبرالية فضائل، منها ضمان حرية المعتقد، وحرية التعبير والتجمع، وهي مكتسباتٌ مهمةٌ ناضلت الشعوب من أجلها، ولم تحصل عليها مجاناً، لكنها اليوم، انحرفت كثيراً عن مفهوم التحرّر من العبودية، لأنها لم تعط الشعب إمكانية تغيير النظام، ولم تكن كافيةً أيضاً لحفظ كرامة الإنسان، وحماية حريته، فالغول الرأسمالي نجح في الاستحواذ على حياة البشر، و “شراء” الديمقراطيات متى ما أعطيت المساحة، بل وتأميم النخب. فقد ذكرت دراسة لأحد الباحثين أن عضو الكونغرس الأميركي يقضي 70% من وقته لجمع المال اللازم لحملته الانتخابية الجديدة. بالتالي، يمكن الذهاب بعيداً، والجزم بتأكيد قبضة رأس المال على مفاصل النظام السياسي الحاكم.
اليوم، ليس مهماً ما إذا كان الرئيس ترامب سيكمل ولايته أم لا. الأهم أن التجربة الديمقراطية الأميركية محل شك كبير، داخل أميركا قبل خارجها، وهي، وإن رسخت قيم الحرية الفردية، وسيادة القانون، إلا أن الطبقة العليا الحاكمة ظلت حبيسة خيارات النخبة ذاتها.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: