لقائي مع الشهيد باسل

بقلم: عطايا أبو سمهدانة.

في شتاء 2015 وعلى هامش مؤتمر فلسطيني في بيروت جمعنا لقاء بالصدفة، جاء دوري في التعليق فأبديت رأيي، وتوالت الأدوار حتى إنتهى اللقاء. عند المصعد إلتقيت بباسل فتبادلنا التحايا بشكل طبيعي، وهو شخص بشوش قريب للقلب ومريح للنظر. سألني : لهجتك غزاوية يا عطايا إنت من غزة، فقلت آه، فقال ما تكون أبن اللي في بالي، فإبتسمت وقلت له: هو بيعينه. فسحبني من يدي وإحتضني وسلم علي بحرارة صديق لم يلتقي بصديقه منذ سنوات، فتعجبت وسألته إنت بتعرف أبوي؟ فقال لي ومن لا يعرف الشهيد الألمعي جمال أبو سمهدانة.

بدأنا بتبادل أطراف الحديث، فشعرت أنه شخص مميز، وذلك لمستوى إحاطته بتفاصيل العمل المقاوم وشهدائه في غزة. مع إنه ابن الضفة إلا أنه أخبرني بعض التفاصيل الغير موجودة لا في الكتب ولا في المقالات، وهذا ما أكد لي على مدى جدية تبنيه لخياراته وحبه لما يعمل.

اختلفنا على مسألة أساسية فكان رأيه أن الثقافة جزء أساسي من المعركة، وقد كان رأيي أنه لا داعي لذلك فالقضية لا تحتاج إلا لعقيدة وبندقية، وهذا ما إعتدنا عليه في غزة خصوصاً خلال إنتفاضة الأقصى المباركة. ودار نقاش طويل نسبياً ختمه بسؤال هز كياني: حيث قال لي: طيب، بدي أسألك صح كان عند والدك مكتبة؟ فجاوبته بكل تعجب صحيح بس مين قلّك؟! فقال لي بسيطة إذا بتراجع تاريخ الشهيد وبتتابع مسيرته منذ أن كان معارضاً للسلطة إلى أن بدأت الإنتفاضة، وكيف كان أحد المؤسسين لها في فترة التسعينيات، وكيف تصدر في الجنوب وتحمل المسؤولية، وكيف تدرج في العمليات، تعلم أن هذا العمل لم يكن عشوائياً وإنما ضمن رؤية واضحة ووعي ثوري لا يدركه إلا المثقفون بحق، فهذه البصيرة لا تتعلمها في المعسكرات فقط.

زاد إعجابي بباسل مجدداً هذا الإعجاب الذي ظل يزداد بشكل مستمر كلما عبّر عن رأيه عن أي قضية، لدرجة أني قلت لأحد الأصدقاء، ما شاء الله ما هذا الباسل؟ فقال لي هذا (Google)  وبالفعل هو كذلك.

انتهت أعمال المؤتمر وقرر الوفد أن يبقى في الفندق ولكن باسل الثائر أبى ذلك، وذهب وسكن في مخيم من المخيمات الفلسطينية في بيروت، حتى يعيش مرارة اللجوء ويشحن قلبه أكثر بمآسي اللاجئين، في تجسيد لـ “المثقف العضوي” الذي تكلم عنه المفكر المناضل أنطونيو غرامشي، والذي تتكثف فيه معاني الإدراك والوعي، بالإضافة إلى إنغماسه مع الجماهير بحيث لا تفرقه عنهم بشيء. وقد عبّر عن هذه المعاني أيضاً المفكر المناضل علي شريعتي حين نعت أمثال الشهيد باسل من المثقفين، بأنه “المثقف الأصيل” الذي يعيش معاناة الجماهير بحذافيرها رافضاً أي شكل من أشكال الحياة التي تفارق حياة أبناء مجتمعه، مبادراً في أي شكل من أشكال النضال يستطيع أليه سبيلا.

وفي سياق التعرف على الباسل الفدائي وأبعاد شخصيته الفريدة لا بد لي من أتطرق إلى قصة ملفتة، حيث كان يعمل على مشروع لتوثيق رموز الإنتفاضة الثانية (إنتفاضة الأقصى)، قبل أن يختفي في إطار بحثه عن أجوبته. وسألني بعض الأسئلة المتعلقة بوالدي في هذا السياق، وقال لي: في سياق بحثي عن شخصية الشهيد جمال ابوعطايا علمت أن أصل عائلتكم من الحجاز من نسل الإمام الحسن عليه السلام وأنكم لجأتم إلى مصر ومن ثم إلى فلسطين في إطار الترحال، حيث أنكم تنتمون لقبيلة الترابين في بئر السبع. وقد تعمقت في هذا البحث لأصل لإجابة على سؤال واحد ما سر حِنكة الشهيد جمال أبو سمهدانة العسكرية، هل هي فراسة بحكم الجينات أم أنه راكم الخبرة من تجاربه داخل فلسطين وخارجها؟

وقد كان يحفظ تفاصيل المعارك الفلسطينية ويخبرك أنه في القرية الفلانية واليوم الفلاني كان هناك هذا العدد من الأشخاص ومعهم هذا العدد من البنادق ولكن في اليوم التالي تعطلت بندقية فلان التي كانت من نوع كذا أو أن فلان قد إستشهد وأخذ بندقيته فلان، تفاصيل دقيقة جداً تشعر حين يرويها من تفاعله و تؤثره أنه كان مقاتلاً معهم. فقد كان يعتبر أن هذه الثقافة وهذا التاريخ هو إرث عُمد بأغلى الدماء يجب المحافظة عليه وسرده للأجيال، وأن هذه المهمة هي واجب وطني في درب التربية وبناء الوعي الثوري ومجابهة الفكر الإنهزامي الإستسلامي الذي يهدف لكي وعينا وسلبنا إرادة القتال.

لم يترك باسل العاشق ميداناً للنضال إلا وترك فيه بصمة، والمقربون والأصدقاء يعلمون ذلك حق المعرفة، ولا أبالغ حين أقول أنه ولإخلاصه كان يتمتع بيقين العياش وشجاعة أبو عطايا وبصيرة الشقاقي ووعي الكنفاني. فبعد أن قرأ معظم الثورات في العالم وخصوصا التي كانت تنتصر بالعنف الثوري “حرب العصابات” عمل على ترجمة كل ما أوتي من معرفة في الميدان بين الناس وكان في طليعتهم بماله ونفسه، مع أن فرص الحياة التي أُتيحت له كثيرة والعروض التي قدّمت له لا أعتقد أن أحد يمتلك الحد الأدنى من الأنا يرفضها، فقد كان يستطيع أن يلبس الملابس الأنيقة ويناضل كما الكثيرين في الفنادق، وعلى السوشيال ميديا ويبرر لنفسه ويهون عليها، ولكن عشقه كان أكبر من كل هذه القشور الخاوية فإختار طريق ذات الشوكة، طريق الأنبياء والأولياء.

 نعم، مسيرات ومواجهات وقفات ومؤتمرات، إصابات وإعتقالات، وجولات ميدانية تتناول تاريخ المقاومة المسلحة، في سبيل إشعال الهمم، وشحذ النفوس، وتعبئة الأرواح، وليس في سبيل العجب والرياء والنفس الأمارة بالسوء، تلك النفس التي يعلم من يتبع خطاه أنه عمل على لجمها وتهذيبها والإنتصار عليها قبل العدو، فلم يغره الإطراء ولم يلفته الترف، بل ألقى بنظره أقصى القوم وأعار الله جمجته، ومضى بعد هذه المسيرة النضالية والثقافية والمعرفية إلى حيث الأجوبة، إلى الخيار الوحيد الذي يعطي القيمة للإنسان و الثقافة والمعرفة، بل “إن الإشتباك يمثل تجسيد لأسمى أشكال الثقافة” كما وصفه فانون.

وفي الختام ماسبق لا يعدو  كونه محاولة خجولة، للإضاءة على جوانب في شخصية المثقف المشتبك، وهو في دار الآخرة وكل ما قد يقال عنه في دار الدنيا من ثناء أو مديح، هو جزء من الدنيا الفانية التي لا تساوي شيئاً في حسابات أهل الآخرة الواصلين، ونحن نعلم وهو يعلم أن لا شيء يمكن أن يفي بعهد الشهداء، إلا التوقيع بدمائنا على وصاياهم واللحاق بهم مقبلين غير مدربين دون ذرة رياء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: