كي لا ننسى: مقاتلون بنغاليون بصفوف الثورة الفلسطينية في الثمانينات


صورة وضريح؛  هذا ما تبقّى من زمان ذهب معظمه طيّ النسيان، عندما جاء آلاف البنغاليين إلى لبنان في الثمانينات كمقاتلين ومتطوعين بصفوف الثورة الفلسطينية. لا يقلّ هؤلاء البنغاليون أهميةً عن غيرهم بالنسبة للنضال التحرري الفلسطيني، وتستحقّ قصصهم أن تبقى في ذاكرة الناس.

ثمة العديد من الكتب، والأفلام والتقارير التي تحكي عن المنظمات والمتطوعين الأمميين الذين أسندوا ويواصلون إسناد القضية الفلسطينية،  كالمجموعات المسلحة، التي نشطت سابقًا، مثل: الجيش الأحمر الياباني والجيش الجمهوري الإيرلندي، والمنظمات السلمية، الحديثة، الآخذة بالتزايد، مثل: حركات التضامن العالمية وحملة بي دي اس، فلطالما كانت فلسطين، ولا تزال، جزءًا لا يتجزأ من المشهد الأممي.

وفقًا لمكتبة الكونغرس الأمريكي: “تطوّع 8 آلاف شاب بنغالي للقتال بصفوف م.ت.ف”

ولكن لم تكن كل تلك القصص الاستثنائية حول رجال ونساء، يسافرون بعيدًا عن أوطانهم، مدفوعةً برغبة قوية لمحاربة الظلم ومواجهة أخطار جسيمة، معروفة للجميع أو مُفصّلة بشكل كافٍ، ويبدو أن هذا ينطبق تمامًا على أولئك القادمين من منطقة جنوب آسيا، سيّما بنغلادش. لقد أتى البنغاليون بهدف تقديم العديد من الأنشطة الداعمة، بدءًا من نقل الأسلحة والبضائع بين المواقع في لبنان إلى الانخراط على نحو فعّال في القتال ضد القوى التي تهدد القضية الفلسطينية.

ذاكرة بالأبيض والأسود

في العام 1982، وقبل الاحتلال الاسرائيلي لبيرت، وبينما كان مصوّر الحرب البريطاني كريس ستيل بيركنز يمشي على الشاطئ صادف مجموعة من المقاتلين البغاليين، وكانت تلك المجموعة الوحيدة التي قابلها في أثناء فترة عمله في لبنان. وعلى الرغم من أن بيركنز لم يتبادل الكثير من الحديث معهم، إلا أنه التقط لهم صورة رمزية،  سوف تصبح واحدة من الصور القليلة المتبقية لهؤلاء المقاتلين.

ويمكن أن ترجع العلاقة بين بنغلادش وبين فلسطين، وبين منظمة التحرير الفلسطينية على وجه الخصوص، قديمًا إلى السنوات الأولى من عمر الدولة البنغالية، عقب القتال من أجل التحرير ضد الباكستان عام 1971. لقد كانت حربًا داميةً ومدمرة خلّفت ملايين القتلى، وأصبح ملايين غيرهم لاجئين، ولكنها في نهاية المطاف أدّت إلى تأسيس دولة بنغلادش الحديثة.

في الوقت الذي ترددت غالبية الدول العربية بالاعتراف بالدولة حديثة النشأة، سرعان ما أصبحت العلاقات أكثر وديّة في عام 1973 عندما دعمت بنغلادش حرب مصر، وسوريا والفلسطينيين ضد اسرائيل في حرب أكتوبر، وأرسلت فريقًا طبيًا ولوازم إغاثة.

“لقد كان هنالك نحو 1000 إلى 1500 مقاتل منهم،  حتى أن بعض الكتائب كانت بنغالية بالكامل” – فتحي أبو العردات

أُدرجت بنغلادش، بعد فترة وجيزة، كعضو في حركة عدم الانحياز في مؤتمر القمة المنعقد بالجزائر عام 1973، وتصاعد ضغط الدول العربية على الباكستان من أجل الاعتراف ببنغلادش عام 1974.

وبحسب برقية لوزارة الخارجية الأمريكية، مُرسلة في مايو 1976، سرّبها ويكيليكس؛ أنه في تلك الفترة، أقامت بنغلادش علاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية، حيث سمحت بنغلادش بافتتاح مكتب للمنظمة في العاصمة البنغالية، دكا، فضلًا عن أن مسؤولين في المنظمة كانوا ضيوفًا دائمين في المناسبات التي كان يستضيفها السلك الدبلوماسي والسياسي البنغالي.

أصبحت الصلة مع فلسطين قوية وراسخة جدًا في المجتمع البنغالي لدرجة استحداث طابع بريدي عام 1980، لكنه لم يصدر قط، يُصوّر مقاتلًا فلسطينيًا يلفّ الكوفية، وفي الخلفية المسجد الأقصى محاطًا بالأسلاك الشائكة، وكلمات تُحيي المقاتلين الفلسطينيين من أجل الحرية وتصفهم “بالبواسل” باللغتين الإنجليزية والعربية.

وفقًا لتقرير صادر عن مكتبة الكونغرس الأمريكي، عام 1988، أفادت الحكومة البنغالية، في عام 1987 أنه “تطوّع 8 آلاف شاب بنغالي للقتال بصفوف منظمة التحرير الفلسطينية،” وجاء هذا الإعلان في أعقاب زيارة ياسر عرفات لبنغلادش تلك السنة وتلقيه ترحيبًا حارًا من الإعلام والدوائر السياسية.

ويفيد التقرير أيضًا أن بعض الشخصيات العسكرية الفلسطينية أُرسلت إلى بنغلادش للمشاركة في تدريبات عسكرية.

ثمة القليل من السجلات الموثّقة اليوم فيما يتعلق بالعدد الفعلي للمتطوعين البنغاليين في لبنان، أو تفصيلًا لأي المجموعات كانوا قد انضموا.

تواصلت جريدة الأخبار اللبنانية مع السفير البنغالي في بيروت فيما يخص أي معلومة حول هذا الموضوع،  وعلى الرغم من أن المسؤولين في السفارة أقرّوا بوجود وتاريخ المقاتلين البنغاليين من أجل فلسطين، إلا أنهم قالوا إنه لا تتوفر معلومات مفصّلة بهذا الخصوص.

أما بالنسبة للسفارة الفلسطينية، فلا نتيجة أيضًا، نظرًا لأن الجيش الاسرائيلي أحرق العديد من وثائق منظمة التحرير الفلسطينية في أثناء الاجتياح والاحتلال الاسرائيلي الوحشيين للبنان.

لم يتبقى من هؤلاء المقاتلين سوى ذكريات عابرة لدى القادة الفلسطينيين.

وفي حديثه لجريدة الأخبار، يقول أمين سر حركة فتح وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، فتحي أبو العردات: “لقد كان هنالك نحو 1000 إلى 1500 مقاتل منهم، حتى أن بعض الكتائب كانت بنغالية بالكامل، لكن أغلبهم توزَّع على مجموعات مختلفة،”

وقال: “أتذكر أنهم كانوا يتحلّون بأعلى درجات الانضباط، وكانوا يمتلكون إرادة مذهلة. عندما اجتاح الاسرائيليون لبنان وأسروا بعض المقاتلين البنغاليين، كانوا يقولون لهم باللغة الإنجليزية (PLO, israeli NO)، أي؛ (نعم لـ م.ت.ف، لا لاسرائيل) حتى عندما كانوا يتعرضون للتعذيب. وأضاف: “كانت تربطهم علاقات رائعة مع بقية المقاتلين. لقد آمنوا بالقضية فعلًا.”

وبالرغم من أن فتح كانت معروفة بوجود عدد كبير من المقاتلين الأجانب بين صفوفها، إلا أن الجبهة الشعبية – القيادة العامة كانت مستضيفًا رئيسًا للمقاتلين، بمن فيهم البنغاليين.

“لقد كانوا مع الجبهة الشعبية – القيادة العامة،” يقول زياد حمو لجريدة الأخبار، القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعضو اللجنة الشعبية في مخيم شاتيلا.

وأضاف حمو: “رغم أنهم كانوا يتمتعون بمهارة عسكرية كبيرة، إلا أنهم كانوا بالدرجة الأولى يقدمون خدمات إسنادية كنقل الأسلحة أو حراسة مكاتب معيّنة”، ونوّه قائلًا: “أما إذا كانوا يريدون القتال، فكانوا يذهبون للقتال.”

“أتذكر ثلاثة أو أربعة منهم؛ تم فرز اثنين منهم كحرّاس في البقاع، وواحد آخر في بعلبك، لقد نسي الناس فعلًا أنهم كانوا بنغاليين، فقد كانوا يتقنون اللغة العربية”

لكن يبقى السؤال: لماذا يوجد شهادات وروايات قليلة جدًا عن مساعدة المتطوعين هذه للقضية؟

يقول حمو: “نحاول في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن نتذكّر هؤلاء الرجال. مثلًا نُقدّر قيمة الجيش الأحمر الياباني ونحاول استعادة تاريخه والحفاظ عليه. أما بالنسبة للبنغاليين، فأعتقد أن سبب قلة القصص والروايات عنهم هو دورهم المحدود. على الأقل بالنسبة للجبهة الشعبية، لا أستطيع التحدث عن الفصائل الفلسطينية الأخرى،”

“أعتقد أن معظمهم غادر بعد 1982، حالما أرسلت الأمم المتحدة قواتها إلى لبنان. توفي بعضهم أو اعتُقل ولاحقًا أُطلق سراحه، وربما بقي بعضهم في لبنان ليعمل ويقضي ما تبقى من حياته. لقد مضى 32 عامًا، وأغلب الظن أنهم هرموا الآن. نحن جميعًا هرمنا.”

الشهيد البطل كمال مصطفى علي

على أطراف مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين جنوبي بيروت تقع مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية، حيث يرقد أولئك الذين قضوا في سبيل النضال من أجل القضية الفلسطينية. وبين العديد من شواهد قبور الفلسطينيين الذين قضوا منذ السبعينات، يمكن رؤية بعض الشواهد لغير الفلسطينيين. فهنالك بعض الشواهد لعراقيين، وسوريين، ولبنانيين، وتونسيين، وشاهد لروسي، وآخر لكردي، وبالإضافة لذلك ثمة شاهد لرجل بنغالي اسمه كمال مصطفى علي.

“نحاول في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن نتذكر هؤلاء الرجال” – زياد حمو

لا يوجد أي إشارة مَن كان كمال مصطفى علي، ولا حتى تاريخ ميلاد. كل ما هو محفور على لوح الرخام هو آية قرأنية من سورة آل عمران: “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون.”

وتحت الآية محفور اسمه وجنسيته، وتاريخ استشهاده. استشهد علي في 22 تموز 1982 في معركة قلعة الشقيف، التي تقع في منطقة النبطية جنوب لبنان.

يقال أن القلعة بُنيت كأحد مواقع التحصينات العسكرية قبل وصول الحملات الصليبية في أوائل القرن 12 – نظرًا لموقعها الاستراتيجي المرتفع والمُطلّ على مساحة كبيرة – وأصبحت بعد ذلك موقعًا للعديد من المعارك، وسرعان ما انتقلت من سلطة إلى أخرى.

سيطرت منظمة التحرير الفلسطينية على القلعة في 1976، واستخدمتها بشكل أساسي كقاعدة لتنفيذ عمليات المقاومة على الحدود، ونشرت 1000 مقاتلًا تقريبًا على جدرانها وفي محيطها.

وعندما اجتاح الاسرائيليون لبنان في 6 حزيران 1982، كانت القلعة أولى مواقع المعارك الرئيسية قبل أن يتابع الاسرائيليون شمالًا نحو بيروت. ورغم أن منظمة التحرير فقدت السيطرة على القلعة في غضون يومين – بعد غارات جوية وقصف مدفعي كثيف من جانب الاسرائيليين – إلا أن سيطرة الاسرائيليين لم تكن بهذه السهولة.

لقد جوبهت قوات الاحتلال الاسرائيلي بمقاومة متواصلة من الفصائل الفلسطينية، ولاحقًا من حزب الله وغيره من المقاومة اللبنانية، حتى أُجبرت قوات الاحتلال على الانسحاب في 2000.

وكما يشير شاهد القبر، رحل كمال مصطفى علي في أثناء واحدة من تلك المحاولات المبكرة لاستعادة القلعة.

واستُعيد جثمانه في 2004، في اتفاق تبادل بين حزب الله وبين الاحتلال الاسرائيلي تم التوصل إليه بوساطة ألمانية؛ حيث جرى تبادل 4 جثامين لجنود اسرائيليين مقابل أكثر من 400 أسير، وجثامين أكثر من 50 مقاتلًا، وخريطة من الألغام الأرضية القاتلة التي زرعتها اسرائيل في جنوب لبنان وجنوب منطقة البقاع.

وفقًا للقائمين على مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية، فقد أُرسلت عظام علي إلى عائلته في بنغلادش، ونُصب له ضريحًا في المقبرة لتخليد ذكرى تضحيته.

يوجد الضريح هناك جنبًا إلى جنب مع جثامين وأسماء فلسطينية وغير فلسطينية، يعتني به أيدٍ فلسطينية لا تعرف الكثير عن صاحبه؛ إنه الدليل المادي الوحيد المتبقي في بيروت على تضحيات المقاتلين المتطوعين البنغاليين في سبيل القضية الفلسطينية في الثمانينات.

تعريب: س.خ أعدّ هذا التقرير باللغة الإنجليزية يزن السعدي.

%d مدونون معجبون بهذه: