“الدولة المستحيلة”.. وهم الحياد الثقافي

الكاتب: محمد الصادق، تاريخ النشر: يناير 2015.

تُصادفنا الدولة، أول ما تصادفنا، كظاهرة اجتماعية، من دون أن نعي ما لنا وما علينا تجاهها، وقد يعيش الإنسان ويموت، من غير أن يسأل عن مغزى وجودها، أو وظيفتها الرئيسية، أو مبررها لفرض واجب الامتثال لأوامرها، وهي أسئلة مهمة، طرحها المفكر عبدالله العروي في كتابه “مفهوم الدولة”.

في السجالات الفكرية بين الليبرالية العربية وخصومها، كثيراً ما يتم طرح حياد الدولة تجاه ثقافة مواطنيها وسلوكهم، إذ يتم اعتبار ذلك الطرح مُسلمة، بالنسبة إلى الدول الغربية التي تعتنق الليبرالية، وتطبق النموذج الديمقراطي في الحكم. وفي كل مرة تصاب فيها أوروبا، منتجة الدولة الحديثة، بمصاب جلل، نكتشف أن كل ما يقال عن الحياد الثقافي وهمٌ، وهذا ما اتضح، أخيراً، في قضية “شارلي إيبدو” التي كالت فيها فرنسا والدول الغربية بمكيالين، حينما اعتبرت الإساءة لنبي المسلمين محمد (ص) حرية تعبير، في حين أن مجرد انتقاد الكيان الصهيوني، أو أحد رموزه، جريمة ومعاداة للسامية وتطرف اتجاه اليهود. إذن، الدولة الحديثة، لا يمكن أن تكون محايدة ثقافياً، بل هي تعمل، من خلال آلتها البيروقراطية، على تصميم الثقافة المناسبة لرعاياها، بوساطة التعليم والإعلام والجيش والرموز الوطنية التي تُشيّد في الساحات العامة، فيتم، بموجبها، التأكيد على رسم صورة للمواطن الصالح، في مقابل مواطن آخر طالح قرر ألا ينتمي لهذه الثقافة الغربية، وهذا ما صوّب عليه كثيرون من كتّاب “ما بعد الحداثة” الذين يمكن الاستفادة من كتابتهم في كشف نواقص الدولة الحديثة، وتعرية تناقضاتها،
وهناك كتابٌ مميز لوائل حلاق بعنوان “الدولة المستحيلة”، لكن من دون الانجرار خلف هذه الأطروحات في رفض الدولة الحديثة رفضاً تاماً، لأن البديل عنها غير واقعي ومخالف للتطور الاجتماعي. ولأننا في وطننا العربي سنصبح أمام خيارين: اختيار الجماعات الأهلية كأحسن تقدير، وفي أسوأه حركات أصولية كداعش، أي العبودية أو التوحش.

يفترض بعضهم أن ثمة وجوداً لدولة بلا هوية ثقافية، ووجوداً لهوية غير منحازة (الهوية دائماً انحياز)، وأن العدالة تتحقق آلياً بعد إنجاز عقد اجتماعي، وتطبيق سيادة القانون على جميع المواطنين، فتُحلّ بذلك تلقائياً مشكلة الهوية، وهذا وهمٌ رائج في هذه الأيام.

لذا، من الخطأ تخيل دولة عادلة ومحايدة، حتى في دول أوروبا صاحبة العراقة في حقوق الإنسان. لذا، يجب الاعتراف بأن مثل هذا النموذج غير موجود في الواقع، أو رومانسي، إذا ما أحسنا الظن به. فالدولة الحديثة ليست إلهاً فوق البشر، ولا تجلس فوق عرش السلطة تُسيّر أمورهم، إنما هي نابعة من ثقافة الجماعة الساكنة فيها، وتتولد عنها، ولا يمكن بأي حال نزع تطور الدولة عن مواطنيها، وعن سياقات نشأتها التاريخية، وإن لأيّ دولة هويّة ثقافيّة هي هوية هذه الجماعة، بل أكثر من ذلك، هي دائماً منحازة لثقافة “الجماعة العليا” التي حازت السلطة في لحظة تأسيس الدولة الوطنية، بعد السيطرة على مراكز السلطة والنفوذ وتهميش الأطراف، أو طردهم خارج الدولة، ثم يجري تعميم ثقافة “الجماعة العليا” على القاطنين داخل حدود هذه الدولة. هذا ما حدث في أميركا الأنغلوسكسونية، حينما شكّل المستوطنون الأوائل الهوية الأميركية القائمة على العنصر والدين والقيم البروتستانتية، ولمعرفة المزيد عن الهوية الأميركية يمكن الرجوع إلى كتاب صامويل هنتنغتون “من نحن؟”.

إن مجرد افتراض نموذج مُنجز لدولة عادلة ينزع التطور التاريخي عن الدولة الحديثة وعن دور الجماعة السياسية المكونة لها، افتراضٌ واهم وخاطئ، ففي دولة مثل إيطاليا، تلعب الكنيسة (الفاتيكان) دوراً رئيسياً مؤثراً في حياة الناس، ليس على المستوى الديني وحسب، ولكن، حتى على المستوى السياسي والاقتصادي. وفي بريطانيا، يُمنع الرجل المسلم من تعدد الزوجات بالقانون احتراماً للأعراف الاجتماعية البريطانية. وفي فرنسا، يُفرض خلع الحجاب على المرأة المسلمة في مؤسسات الدولة، وجميعها نماذج تدل على أصابع تحرك الجمهور نحو ثقافة محددة.

الدولة الحديثة حريصة على الثقافة، وحيازة تشكلها أمرٌ ضروري لها؛ لضمان تماسك المجتمع وانصياعه لقوانينها. لذا، علينا الحذر عند التعاطي مع الدعاية الغربية، في ما يتعلق بحياد الدولة القومية ثقافياً، فالدولة الحديثة في أفضل حالاتها، وصلت إلى فكرة التعدد الثقافي، بعد عقود من مقاومة الأقليات الدينية والعرقية الاضطهاد المُمنهج، وإن حياد الدولة تجاه مواطنيها ليس إلا تصور موهوم لدولة مستحيلة.

%d مدونون معجبون بهذه: