الخليج والريادة الثقافية العربية

الكاتب: بدر الإبراهيم، تاريخ النشر: مارس 2017.
على هامش الفعاليات الثقافية المختلفة في الخليج، يردد كتاب وأكاديميون خليجيون، حديثاً حول انتقال مركز الثقل الثقافي العربي، من مراكز الثقافة العربية التقليدية، مثل دمشق وبغداد والقاهرة، إلى العواصم الخليجية، حيث يصعد الخليج بوصفه رائد الثقافة العربية الجديد. ويأتي هذا الزعم غالباً في إطار صراعي، يرنو إلى إنهاء تفوقٍ تاريخي للمراكز الثقافية التقليدية، بدفعٍ من عقدة الهامشية، مقارنة بهذه المراكز، ويسعى إلى تجاوزها وإثبات الذات ثقافياً بأي شكل، وهذه المعادلة التي يتمثل طرفها الآخر في عقدة تفوقٍ مزعومة عند أطرافٍ في تلك المراكز، وضمن تنميطٍ جوهراني الطابع للآخرين في الأطراف الثقافية العربية، يدور حول البداوة والتصحّر، ليست منطلق هذا الحديث عن الريادة الثقافية، الرافض لهذا النوع من الصراع، وما يؤسّس له من أحقاد، لكن منطلقه توصيف حجم الإسهام الخليجي في الثقافة العربية، ورفض المبالغة في تقدير حجمه.

من الواضح أن زعم بعض الكُتاب الخليجيين انتقالَ الثقل الثقافي والسياسي العربي إلى دول الخليج مَرَدُّه إلى حالة الاستقرار في الخليج، في مقابل الاضطرابات والحروب الأهلية في المراكز التقليدية، والتي أصابت الحالة الثقافية هناك بضررٍ بالغ. هذا الواقع أثّر بلا شك على الثقل السياسي لهذه المراكز، لكن لم يظهر مشروع عربي بديل يقود المنطقة، أو يُحدث التوازن مع المشاريع الأجنبية التي تسرح في بلداننا، أما الثقل الثقافي فلا يتجسد في واقع دول الخليج حتى الآن، على الرغم من الفعاليات والمهرجانات العديدة.
في الخليج، تحصد معارض الكتب اهتماماً واسعاً من دور النشر العربية، إذ نسبة الإقبال والقوة الشرائية هي الأعلى عربيا، ما يمنح دور النشر فرصة تعويض خسائرها المادية على مدار العام في هذه المعارض. وعلى الرغم من نجومية الروايات والكتب التجارية، يشكل إقبال شريحة من الشباب على كتب الفلسفة والفكر، إشارةً إيجابية. إضافةً إلى ذلك إن معظم المؤسسات الإعلامية المؤثرة عربياً خليجية التمويل والأجندة، وهي تسهم، بشكل قوي، في تشكيل رأي شريحة واسعة من العرب حول الأحداث المختلفة. كذلك، اهتمت دول الخليج، في السنوات الأخيرة، بتنظيم فعاليات ثقافية، من المهرجانات وتوزيع الجوائز الثقافية، إلى حفلات الأوبرا وافتتاح المتاحف، كما سعت إلى الاستثمار في مشاريع ترجمة الكتب، وإقامة المراكز البحثية، وهذه كلها نقاط أساسية في محاججة الزاعمين انتقال الثقل الثقافي العربي إلى الخليج.
هناك مشكلتان في طرح هذه النقاط، تتعلق الأولى بغياب العنصر الخليجي في كل هذه الفعاليات والمؤسسات، فالذين يعملون في المؤسسات الإعلامية والثقافية، وينالون الجوائز، ويترجمون الكتب، جُلُّهم من مثقفي المراكز التقليدية التي يُزعَم أنها أفلت، وهي، على الرغم من الأزمات التي تمر بها، ما زالت قادرة على الإنتاج الثقافي بشكل أكبر من الخليج، كماً ونوعاً. وهنا تظهر المشكلة الثانية، حيث يتم سرد تلك النقاط، بمعزل عن الإنتاج الفكري والثقافي، وهذا هو أساس أي ثقلٍ ثقافي، وحتى الآن، لا يرقى الإنتاج الثقافي الخليجي إلى مستوى إنتاج دمشق والقاهرة وبغداد وبيروت في عز أزماتها وتراجعها، فالمسألة لا ترتبط بوجود إمكانات مالية لتشييد مبانٍ أو إقامة فعاليات، والصرف على ترجمة المخطوطات، وإنما بوجود مثقفين خليجيين قادرين على الإنتاج والإبداع.
القدرات المالية وحدها لا تكفي لصناعة مجدٍ ثقافي، والمساهمة الخليجية في إثراء المكتبة العربية لا زالت ضئيلة، مقارنةً ببقية المساهمات العربية، وعلى الرغم من وجود تجارب مشرقة لمبدعين في الخليج، إلا أنها تظل محدودة مقارنة بالسائد في المشهد الثقافي الخليجي، حيث نجد أنصاف كتّابٍ وباحثين تقدّمهم الأجهزة الإعلامية المتنوعة، يتحدّثون في كل شيء تقريباً، من دون أدنى جهد بحثي، أو معرفة عميقة بما يتحدثون عنه، أو يردّدون “كليشيهات”، 

ويدونونها في كتب، ليحوزوا شرعيةً ثقافية. لا يُتعب هؤلاء أنفسهم بالبحث والتدقيق، ويفضلون تقديم كلامٍ منمّق يزخر بالاستعراض اللغوي، ويفتقر إلى القيمة. كذلك، تناقضت السرديات السائدة خليجياً على الدوام مع الحداثة الثقافية، ولم تكن تؤمن، حتى وقتٍ قريب، بهوية عربية، ما جعلها بعيدةً عن التأثير في المجال الثقافي العربي. ويمكن دراسة أثر الحالة الريعية النفطية، المشوبة بالمحافظة والتقليدية، على تواضع الإنتاج الثقافي الخليجي، من دون الوقوع في فخ التنميط المبتذل لعلاقة الخليجي بالنفط، المقدّم بكاريكاتورية في بعض الإعلام العربي.
ربما يكون الخليج سوقاً استهلاكية كبيرة للكتب، كما لأشياء أخرى عديدة، لكنه لم يتحوّل بعد إلى مركز ثقل ثقافي ينافس القاهرة ودمشق وبغداد. يمكن القول، بارتياح، إن المغرب العربي مركز ثقل ثقافي أساسي، بالذات في العقود الأخيرة، حيث غزارة الإنتاج الثقافي النوعي كتابةً وترجمةً، والنقاشات المعمقة حول مجمل القضايا العربية المهمة، وهو أمرٌ لا يتوفر في الخليج الذي يعاني أيضاً من غياب المناخ الملائم لإثارة الأسئلة الجريئة، وتحفيز الطاقات من أجل نقاشاتٍ مفتوحة على كل الأجوبة.
المال وحده لا يصنع ثقلاً ثقافياً، خصوصا في غياب التركيز على مشاركة الإنسان الخليجي في عملية تنموية شاملة. من الضروري فهم الفارق بين الإنتاج والاستعراض الثقافي، لاستيعاب معنى الوزن الثقافي، كما أن المسألة لا ينبغي أن تتمظهر صراعاً مدفوعاً بالعُقَد مع المراكز التقليدية للثقافة العربية، وإنما محاولة للإسهام الثقافي ضمن حالة تكاملية عربية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: