التناقض الداخلي السعودي،، أمريكياً

عند الحديث عن السيادة بالنسبة لدول الخليج فهي مسألة نسبية مرنة مرهونة بعدة عوامل، منها الوضع الإقليمي و الداخلي الى حد بعيد، لكن العامل الرئيس هو مقدار مجال الحركة المسموح فيه أمريكياً و ضمن المظلة الأمريكية، و هو مجال تحكمه توازنات مؤسسات صنع القرار الأمريكية من مجمع الإستخبارات و البنتاغون و الكونغرس وصولاً للبيت الأبيض.

و على مدار قرن من الزمن سواء في فترة الإستعمار الإبريطاني أو أفوله لعصر الهيمنة الأمريكية فإن أروقة القصور الخليجية و جدالاتها و خلافاتها الداخلية هي محل ضبط و مراقبة من الدبلوماسيين الغربيين القائمين في تلك الدول، ففي الخليج و لمعرفة مختلف الأحداث الداخلية للمؤسسة الحاكمة يحال ذلك للدبلوماسيين الغربيين -وهم على صلة مباشرة مع الجهات الإستخباراتية في بلادهم- الذين هم على اطلاع على ما داخل هذه البلدان أكثر من أهل البلد ذاتهم. ليكون المشهد بأن تكون الصحف الغربية و كتابها المقربين من الإستخبارات مصدر المعلومة الأول و الوحيد للداخل السعودي تحديداً، و بمقدار ما تسمح به تلك الإستخبارات و وكالة الإستخبارات المركزية الـCIA على وجه الخصوص.

شكل إنقلاب آل سلمان منذ 2015 مرحلة جديدة مختلفة لديناميكية الصراع و التفاهم داخل الأسرة الحاكمة، اختلاف كان يلوح في الأفق مع ترهل الجيل الثاني من أبناء المؤسس و وصول لحظة الحقيقة لمخاض تغيير نمط التوريث الإفقي بين الأخوة لحصره عمودياً أو حتى أفقياً في جناح أحد أبناء الملك عبدالعزيز. الا أن هذا الإنقلاب تزامن مع لحظة غير مسبوقة من تصدع اختلافات مؤسسات الحكم الأمريكية بعيد وصول دونالد ترمب لرئاسة البيت الأبيض.

فعلى طول الفترة التي سبقت وصول محمد بن سلمان لولاية العهد كان آلية الصراع في الداخل السعودي انعكاساً لخلافات و اختلافات وكالة الإستخبارات الأمريكية مع البيت الأبيض، فلكل طرف مرشحه و مصالحه من داخل أجنحة البيت السعودي فالسي آي أي أرادت تثبيت دعائم شراكتها مع المؤسسة الأمنية في وزارة الداخلية تحت ما يسمى بمكافحة الإرهاب لتميل لجهة محمد بن نايف، أما البيت الأبيض فقد نجح محمد بن سلمان بعرض أوراق اعتماده للإدارة الجديدة و بالتحديد عبر صهر ترمب جاريد كوشنر لينتهي المخاض باستحكام محمد بن سلمان مقاليد ولاية العهد و تتخلى السي آي أي عن بن نايف مقابل الحفاظ على رأس المؤسسة الأمنية عبد العزيز الهويرني و علاقاتها معه، و ليقول ترمب بلسانه “لقد وضعنا رجلنا في السلطة”.

تطور الأمر مع الزمن و جراء جموح الأمير الشاب و مغامراته و رعونته اضطر للتمترس خلف إدارة ترمب ووضع كل بيضه في تلك السلة، وصولا الى عداء مباشر مع المراكز الديمقراطية و امتداداتها، في مشهد منقطع مع السياسة السعودية التاريخية بتمكين العلاقات مع مختلف الحزبين و المؤسسات الأمريكية المختلفة بواشنطن عبر المنح المادية و تمكين المصالح الأمريكية.

هذا الواقع الجديد انعكس داخلياً بتصفية بن سلمان لأي جيوب داخلية على صلات قديمة أو جديدة مع واشنطن، و يعود ذلك لرغبته في تمكين سطوته أولا و انهاء تباينات صراع مراكز القوة التاريخية في السعودية بين الداخلية و الديوان الملكي و الحرس الملكي، وثانياً لوضع الأمريكيين و الغربيين أمام الأمر الواقع أن لا بديل له، و هو المهووس بخوفه من أن يتجه الأمريكيون و الديمقراطيون على وجه الخصوص الى اعادة ترتيب البيت السعودي بشكل ينهي مغامرته الرعناء.

تصفية محمد بن سلمان لمختلف مراكز القوى التقليدية و منها المؤسسة الدينية في داخل المملكة عنت بالضرورة ازاحة مريديها الذي تفرقوا ما بين المعتقلات و الغربة، ليصل عدد السعوديين في الخارج لحجم غير مسبوق -لعوامل أخرى أوسع أيضاً- الا أن تناقض هذه المنظومة مع ذاتها تمظهر على شكل موجة "المعارضة" السعودية الجديدة و التي تشكل مجرد انتقال من تباينات الداخل الي شكل أكثر حدية بشكل نسبي في الخارج. و هو أمر بحد ذاته غير مسبوق في التاريخ السعودي فطالما ما صعدت معارضة و أفردات في الخارج ليرجعوا الى الداخل في الأخير مع اعادة ترتيبات بيت الحكم، فالأمر حدث بعيد صراع الملك سعود مع أخيه فيصل، و حتى أيضا مع المعارضة الإسلامية من القطيف و الأحساء و صلحهم مع الملك فهد.

وهنا تكمن خطورة الرحوم جمال خاشقجي بالنسبة لمحمد بن سلمان كرمز لأحد الأجنحة التقليدية التي أزيحت مقيماً في واشنطن، ثم ليكون بعد جريمة قتله رمزاً “للحرية” بالنسبة للمؤسسات الديمقراطية الأمريكية رغم لعبه لعقود دور البيدق في الحكم التسلطي السعودي. و ليتفاقم المشهد اليوم مع سعد الجبري الذي يراهن على اعادة تمكين صلاته الإستخباراتية في رفع حظوته بعد ما وصلت النيران الى أفراد عائلته عبر اعادة السي آي أي الى مشهد الصراع ترقباً لخسارة ترمب.

الإنتخابات الأمريكية هذا العام هي انتخابات سعودية بشكل كبير، فنتائجها تنعكس على مختلف الملفات السعودية حتى في ملفات المعتقلات و المعتقلين. فخسارة ترمب تعني لحظة مصيرية لمغامرة محمد بن سلمان و ان كان ذلك لا يعني نهايته، فوصول الديمقراطيين يعني مرحلة جديدة لإعادة ترتيب كواليس المملكة الأمريكية، أخذا بالإعتبار الحدية و التناقض الأحمق و الغير مفهوم الذي كرسه السعوديين مع مختلف النخب الأمريكية و الرموز و كأن مراهنتهم مع البيت الأبيض ستظل خالدة مخلدة. اعادة ترتيب ديمقراطية ستعني رجوع العديد في الخارج الى المملكة و انتهاء مغامرتهم قصيرة الأمد هم، في حين يعلن عن تسوية و عفو و ينادى باتخاذ غشاء الليل جملاً.  

أما في حال فوز ترمب فالمسألة تعني نشوة و اعادة احياء لسطوة الأمير الشاب و بث الروح لأربع سنين جديدة، نشوة ستتفجر توحشاً أكبر في الداخل سواء بالإعتقالات أو الإعدامات و الاحكام المديدة و الجائرة و حتى في الخارج و ان حاولت الإدارة المعاد انتخابها ضبطه.

 شخصياً و رغم الضرر، الا أني أميل لإعادة انتخاب ترمب و بعيداً عن الحسابات العالمية لذلك و أيضا لحساب التناقضات الداخلية الأمريكية، الا انه سعودياً و رغم الجنون فالمسألة تتعلق بالحسابات طويلة الأمد رغم فداحة ألمها من دماء و جورها، و تفضيل استمرار نخر بيت الحكم لذاته حتى ترهلها على أن تتم اعادة انعاشها و احياؤها لتستمر مسلطة على رقاب الناس الذين لا يزال يرزح السيف فوق رقابهم قبل 2015 و بعده، و سيبقى بعد اعادة الإحياء و قبلها. فبالنسبة لي المسألة حساب بسيط أن نضحي نحن على نورث أبناءنا ورز ذلك كما ورثنا اياه الذين قبلنا، و أن نكون نحن من يلبس الدرع كاملة موقداً النار شاملةً.

كما في رائعة أمل دنقل:

  سيقولون

ها أنت تطلب ثأرًا يطول

فخذ -الآن- ما تستطيع:

قليلاً من الحق..

في هذه السنوات القليلة

إنه ليس ثأرك وحدك،

لكنه ثأر جيلٍ فجيل

وغدًا..

سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،

يوقد النار شاملةً،

يطلب الثأرَ،

يستولد الحقَّ،

من أَضْلُع المستحيل

%d مدونون معجبون بهذه: