خطورة التقشف

الكاتب: بدر الإبراهيم، تاريخ النشر: سبتمبر 2016.

حين يزيد العجز في الموازنة العامة للدولة، وتدخل في أزمة ديون، يصبح التقشف حلاً بديهياً في نظر كثيرين. ننظر من حولنا لنرى دولاً أوروبية تضربها أزماتٌ اقتصادية، فتلجأ إلى التقشف، وهو أمر يتكرّر في دول عربية عديدة، وفي دول الخليج أخيراً، بخفض الإنفاق العام، من دون الإعلان الصريح عن تطبيق إجراءات التقشف. في مواجهة العجز، يبدو التقشف، بما يعنيه من تقليصٍ طوعي، بخفض الإنفاق العام، الوسيلة الأمثل لمواجهة أزمة الديون والعجز، لكن التجارب المختلفة تثبت أن التقشف لم يكن مفيداً في هذا الإطار، بل إنه خطوة تنطوي على مخاطر عديدة، اقتصادية واجتماعية، وهي، في الغالب، تؤدي إلى النتيجة التي تصبو إلى تجنبها.
من تجارب عديدة، يتضح أن التقشف لا يفيد في تقليص الدَّين وعودة النمو، كما يشرح بالأمثلة مارك بليث في كتابه عن التقشف. في البرتغال وإيطاليا وإيرلندا وإسبانيا واليونان، طُبِّقت إجراءات التقشف، بعد الأزمة المالية عام 2008، والتي أثرت على اقتصاداتها، فكانت النتيجة أن الديون كبرت بدلاً من أن تصغر، وارتفعت مدفوعات هذه الدول من الفائدة، فنسبة الدين الصافي إلى الناتج المحلي الإجمالي زادت في البرتغال من 62% عام 2006، إلى 108% عام 2012، وفي إيرلندا من 24% عام 2007 إلى 106% عام 2012. أما في اليونان التي أصبحت الظاهرة الأبرز لأزمة منطقة اليورو فقد ارتفع معدل البطالة إلى مستويات قياسية، وقفزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 106% عام 2007 إلى 170% عام 2012، وأخفقت الحكومة اليسارية المنتخبة عام 2015 في الخروج من مشكلات التقشف، على الرغم من سعيها إلى ذلك، وحشد الجمهور للتصويت في هذا الاتجاه.
تشير هذه النتائج، وغيرها كثير، ماضياً وحاضراً، إلى عدم جدوى التقشف، غير أن المشكلة لا تقف عند غياب الفائدة من إجراءات التقشف، بل تتعدّاها إلى وجود آثار سلبية لتطبيقه. تبدأ المشكلات من التعامل مع الأزمة الاقتصادية بوصفها مشكلة قائمة بذاتها، من دون النظر إلى أسبابها وفحصها، ويُطرَح التقشف حلاً سريعاً وبديهياً للعجز والديون، من دون أن يتساءل أحد: لماذا وصلنا إلى هنا؟. بمعنى آخر، لا يُثار النقاش حول السياسات الاقتصادية التي أوصلت إلى العجز، سواءً بغياب الإنتاجية والاعتماد على ريعٍ تتذبذب أسعاره، أو تطبيق الوصفات النيوليبرالية المؤدية إلى توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وضرب الطبقة الوسطى، وإفقار الدولة بعدم السعي إلى إيجاد موارد للدخل، مقابل مراكمة أرباح شركات القطاع الخاص المحلية والعابرة للقارات، وتالياً المواظبة على الاستدانة من صندوق النقد الدولي والمانحين الكبار. الأزمة نتيجة، والأسباب لا تُناقش، والسياسات نفسها تعاد صياغتها وتطبيقها. لذلك، يبدو التقشف خطراً لأنه يبعد الأسئلة الضرورية.

التقشف خطير أيضاً لأنه كلفة يتحملها أبناء الطبقات الوسطى والدنيا، وهؤلاء عادةً لم يكونوا مدعوين للاستفادة من الطفرات المالية، لكنهم مدعوون إلى دفع الفاتورة وقت الأزمات. هؤلاء يخسرون أكثر في حالة التقشف من الأثرياء، لأنهم يعتمدون بشكل أكبر على الإنفاق الحكومي المتقلص في مرحلة التقشف، إذ يعتمد هؤلاء أكثر على الدعم الحكومي والخدمات الأساسية التي تقدمها الدولة. وفي حالة التقشف، يخسرون أكثر مع زيادة معدلات البطالة في صفوفهم، وفرض رسومٍ على الخدمات والسلع الأساسية، فيما لا تفرض عادةً ضرائب على الثروة في الدول العربية المتقشفة. ربط الأحزمة للجميع لن ينتج الأثر نفسه على الجميع، بسبب التوزيع المشوّه للموارد والمداخيل (وهو ما ينطبق حتى على مجتمعات الدول الغربية الغنية) الذي يزداد سوءاً مع التقشف، مما يؤكد أن التقشف، بحسب مارك بليث، من مشكلات التوزيع.
يقلص التقشف النمو، ويزيد البطالة، لأنه، ببساطةٍ، لا يمكن تخفيض الإنفاق ورفع معدل النمو. يشير الاقتصادي الشهير، جون مينارد كينز، إلى ما يسميها “مفارقة الادخار”: إنْ ادخرنا جميعاً معاً يختفي الاستهلاك المحفز للاستثمار. ورأى كينز أن التقشف يؤدي إلى نتائج عكسية. لذلك كانت فكرته تتمحور حول أهمية الطلب، باعتباره محدّداً للنشاط الاقتصادي، وأن زيادة الطلب تأتي من زيادة الإنفاق لا خفضه، وهو ما يؤدي إلى زيادة فرص العمل وتحقيق النمو. يورد أمارتيا سن أمثلةً على حالات عجزٍ تمت معالجتها بمقاومة الركود، والمزج بين انخفاض العجز والنمو الاقتصادي السريع، فالعجز، بعد الحرب العالمية الثانية مثلاً، تمت معالجته بالنمو الاقتصادي السريع في سنوات ما بعد الحرب، الناتج عن زيادة الإنفاق. أيضاً استخدم بيل كلينتون في بداية رئاسته هذا النهج لمواجهة العجز الضخم، بدلاً عن التقشف، فقضى على العجز مع نهاية رئاسته.
في دول الخليج، بسبب تغيرات أسعار النفط، تُطبَّق سياسات التقشف، على الرغم من وجود إمكانيات مادية لزيادة الإنفاق، ومنع انكماش الاقتصاد، وما يحصل أن أبناء الطبقة الوسطى والدنيا يعانون، فيما لا يتأثر الأثرياء كثيراً، بفعل ثرواتهم المتراكمة التي لا تخضع لأي نوع من الضرائب، والممكن توسيعها عبر ركوب موجة الخصخصة، القادمة مع الوصفات النيوليبرالية، واستثمار محاولة تخلص الدولة من أعباء الإنفاق.
ليس المطلوب في الدول العربية النقاش التفصيلي بخصوص إجراءات التقشف وحسب، بل لا بد من مناقشة أصل الفكرة، ومدى خطورتها، خصوصاً على الطبقات الوسطى والدنيا التي تدفع ثمن أخطاء السياسات الاقتصادية.

%d مدونون معجبون بهذه: