القبيلة في أحضان الطائفة

الكاتب: بدر الإبراهيم، تاريخ النشر: مارس 2016

يتقدم دور القبيلة السياسي في بعض البلدان، تبعاً لانهيار الدولة فيها، أو تآكل شرعيتها، كما تتمتع القبيلة بدور تاريخي في المجال العام، في بلدان عربية معينة، تعترف الدولة فيها بدور القبيلة، أو تعتمد القبيلة وسيطاً بينها وبين المواطنين، لكن هذا الدور للقبيلة لا يعني عدم تراجع أهمية الرابطة القبلية، لصالح روابط أخرى، وتحديداً الرابطة المذهبية، بالذات في العراق والشام. لا بد من التأكيد على اختلاف دور القبيلة من حالة عربية إلى أخرى، إنْ على مستوى حجم المشاركة في الصراعات الأهلية، أو التنافس على النفوذ داخل مؤسسات الدولة، ومع الأطراف الأخرى في العلاقة معها، فأدوار القبيلة في اليمن وليبيا تختلف عنها في العراق وسورية، كما أن دور القبيلة وحضورها في الكويت لا يشبه دورها في السعودية.
لا شك في أن تغييراً جرى لبنية القبيلة، مع ظهور الدولة الحديثة في الوطن العربي، فقد فقدت القبيلة “مضاربها”، ولم تعد للقبائل أرضٌ تمثل ملكية جماعية لأفرادها، إذ انتقلت ملكية الأراضي للأفراد أو الدولة، واختفى الفضاء الذي يحوي علاقات انتفاع مباشرة بين أفراد القبيلة ضمن تراتبيةٍ هرميةٍ يقف شيخ القبيلة على رأسها، ومع هيمنة المدن وتوسع البيروقراطية، صار الفرد حراً في تنقلاته، وبات ممكناً أن يتجاوز قبيلته، غير أن أفراداً كثيرين احتفظوا بانتمائهم القبلي، إما سعياً إلى الحماية التي توفرها القبيلة من بطش الدولة، أو طلباً للامتيازات التي يحصل عليها الأفراد في جهاز الدولة، بناءً على انتمائهم القبلي ضمن علاقة زبائنية، فيحصل الفرد على وظيفة في مؤسسةٍ ما لانتمائه إلى قبيلة معينة.

تراجعت القبيلة بفعل موجةٍ من التحديث والتمدين، لكنها حافظت على وجودها، ولم تتفكك تماماً بفعل اعتراف الدولة بها، إما بشكل مباشر، عبر تعزيز حضور الجسم القبلي في المجال العام، أو بشكل غير مباشر عن طريق العلاقات الزبائنية داخل أجهزة الدولة. في حالة العراق، عايشت القبيلة (أو العشيرة، بحسب التعبير الشائع هناك) مراحل مختلفة، أنتجت تغييراً في طبيعة حضورها. ويشير الباحث العراقي، هشام داود، إلى ثلاث مراحل أساسية، مرت بها علاقة دولة ما بعد الاستعمار في العراق (بعد عام 1985) بالعشائر. تمثلت الأولى بتحديثٍ قادته الدولة، أثمر تحولاتٍ مهمة، من قبيل تعميم التعليم، وتوسع الطبقة الوسطى، وإصدار تشريعات وقوانين تحد من سلطة العشائر، مثل قوانين الأسرة، ودفع التمدين وتغير أنماط الزواج نحو مزيد من استقلالية الأُسَر. دفعت هذه التحولات العشائر إلى التواري والانزواء، لكن سنوات الثمانينيات من القرن المنصرم عرفت عودة العشائر في المرحلة الثانية، التي أضفت فيها السلطة طابعاً قبلياً على الفضاء العام، بتزايد الاعتماد على الروابط العشائرية في السلطة العليا، أداةً لحماية النظام والرئيس (وخصوصاً عشيرة البو ناصر التي ينتمي إليها الرئيس)، وبديلاً عن حزب البعث الذي تراجع دوره، وبقي مجرد عنوان للحكم، في حين كانت بعض الهياكل الأمنية والعسكرية تعتمد على الانتماءات العشائرية بشكل شبه تام.
في المرحلة الثالثة، بعد الانسحاب من الكويت، وفي أثناء الحصار المفروض على العراق، حازت العشائر اعترافاً رسمياً بدورها، وتم تأكيد هيكلة الفعل العشائري للفضاء العام. وتبعاً لذلك، بدأ بروز زعماء العشائر في الخطاب والإعلام الرسميين، وأعاد بعض المسؤولين في الدولة استخدام ألقابهم القبلية، بعد حظر استخدامها في السابق. كان لهذه المرحلة أثرها في تأكيد دور العشائر الذي لم يلغه الأميركيون بعد احتلالهم العراق عام 2003، بل حاولوا استثماره في تركيبة النظام الذي أرسوه، بدايةً مع إبراز شخصيات قبلية في مجلس الحكم والحكومة المعينة، وليس انتهاءً بالعمل على التحالف مع عشائر غرب العراق ضد تنظيم القاعدة، ضمن ما عُرِف بحركة الصحوات، ثم محاولة إعادة إحياء دورهم، بعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل.
لا ينفي اعتبار العشائر فاعلاً محلياً في الصراع داخل العراق ضعف تأثير الرابطة العشائرية الذي تبين، منذ احتلال العراق وحتى اليوم، ولعل أبرز دلالة لهذا الضعف هيمنة الهويات المذهبية، وابتلاعها الهوية العشائرية، فقد باتت العشائر مُعَرَّفةً ضمن الهوية الطائفية، بصفتها لاعباً سياسياً يتحالف أو يتنافس مع اللاعبين الآخرين داخل مجال الطائفة. لذلك، نسمع حديثاً مستمراً عن العشائر “السنية”، إذ خسرت القبائل الكبيرة امتداداتها الشيعية، وصار الحديث عن العشائر يختص بمنطقة غرب العراق ووسطه، في ظل انقسامٍ بينها في الموقف من تنظيم داعش، إذ يفضّل بعضها التحالف مع السلطة، أملاً في تكوين “حرسٍ وطني”، وينحاز بعضها الآخر لتنظيم داعش، فيما تُسَلِّمُ جميعها بالعمل داخل الفضاء السني، والصراع على تمثيله أمام السلطة “الشيعية” والأكراد، في إطار التسليم بالهويات الأساسية التي أرساها نظام ما بعد 2003.
الطائفة أقوى بكثير من العشيرة في العراق، وهي تتمتع بمخيالٍ أوسع، وأدوات تخيّل أكثر تأثيراً، تعبر الحدود المحلية، في ظل طغيان اللغة المذهبية في الإعلام ووسائل الاتصال التي تشكل الرأي العام، بدفعٍ من المشاريع الإقليمية المتكئة على المذهبية، وعلى الرغم من أن القبيلة فاعل محلي معترفٌ بدوره، إلا أنه ضعيف، يحتاج إلى التحالف مع قوةٍ أكبر منه، ليبقى فاعلاً، سواءً كانت هذه القوة هي السلطة العراقية والتحالف الدولي أو تنظيم داعش.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: