اللاجئون وحق العودة وأكاذيب التاريخ

الكاتبة: خديجة الحربي، تاريخ النشر: مارس 2014.

“أنت لن تعرف اسم أي قرية عربية هناك، لقد بنينا القرى اليهودية لتحل مكانها.. لن تجدها في أي كتب جغرافيا، ليست الكتب فحسب بل إن تلك القرى العربية لم يعد لها وجود الآن، بعد أن كان يستحيل أن تجد مكاناً واحداً في هذه البلاد ليس مأهولاً بالعرب”

موشيه ديان عسكري وسياسي اسرائيلي* 

أين القرى العربية؟.كيف تم إحلال القرى اليهودية بدلاً عنها؟ ، وماذا حصل لسكانها العرب ؟. 

شكلت قضية اللاجئين الفلسطينيين ولا تزال جوهر القضية الفلسطينية ، فوجودهم يمثل ظلم وبشاعة الاحتلال  ، وتمسكهم بحق العودة هو مأزق للاحتلال الصهيوني في عملية التطبيع، وأمل عدم نسيان الأجيال القادمة قضيتهم الحقيقية وحقهم في الأرض الفلسطينية هو إصرارهم على العودة لأرضهم ووطنهم ورفض نسيان حقهم أو الالتفاف عليه بأي شكل.

لقد قام الاستعمار والاحتلال الصهيوني بإحداث تغييرات بنيوية في المجتمع الفلسطيني ، فالحروب والمجازر والتهجير الجماعي القائم على المصلحة الصهيونية خلق قضية اللاجئين ، وتريد إسرائيل أن تتخلص من هذه القضية عبر تسوية سياسية تستطيع من خلالها دفن أدلة جريمتها وتحقيق هدفها بإقامة كيان يهودي خالص على أرض فلسطين.

من هم اللاجؤون الفلسطينيون؟

بحسب التعريف العالمي للأونروا ” هم أولئك الأشخاص الذين كانوا يقيمون في فلسطين خلال الفترة ما بين حزيران 1946 وحتى أيار 1948، والذين فقدوا بيوتهم ومورد رزقهم نتيجة حرب 1948.

 فقد  هجرت إسرائيل أكثر من 957 ألف عربي فلسطيني في عام 1948م ، ووصل عدد اللاجئين حتى آخر إحصائية في 2010م إلى 4.7 مليون لاجئ ، وبلغ عدد المخيمات المسجلة التي تعترف بها وكالة الغوث في الأراضي الفلسطينية والدول العربية 58 مخيماً ، يعاني فيها اللاجؤون من الفقر والعطالة وانعدام الأمن والمستقبل الغامض

ولازال هناك من العرب للأسف  من يصدق أكذوبة أن الفلسطيني هو من باع أرضه لليهود ، في حين إن الأراضي التي تم احتلالها  في أغلبها قدمتها حكومة الانتداب البريطاني دون مقابل لليهود أو لقاء أجرة اسمية ، ووجود هؤلاء اللاجئين في مخيمات بائسة في الدول العربية المجاورة هو أكبر دليل على تهجيرهم وظلمهم ، فالكيان الصهيوني كانت مطامعه وأهدافه واضحة في رؤيته الاحلالية المدروسة، فمشروع “الترانسفير” – والتي تعني “النقل” – وفي مفهومها الاستيطاني الصهيوني هو نقل السكان العرب وطردهم من أراضيهم وإحلال السكان اليهود بدلاً عنهم ، ماهو إلا سعي حثيث من الاحتلال لتطبيق التهجير بعدة طرق منها :

– القمع والتهجير القسري للفلسطينيين من أراضيهم وضمها للكيان الصهيوني. 

– أقر الكنيست  قانوناً عام   1950  يسمى “قانون أملاك الغائبين”  وينص “على مصادرة أملاك الفلسطينيين الذين يتواجدون خارج حدود دولة إسرائيل أو في دول معادية” وتحويلها لجمعيات استيطانية. 

– قانون العودة عام 1950 وهو يعطي الحق لكل يهودي وعائلته في الهجرة لاسرائيل والحصول على الجنسية

– قانون الجنسية الاسرائيلي عام 1952 وهو يحدد شروط الحصول على الجنسية الأسرائيلية والذي سلب الكثير من المهجرين العرب داخل وخارج إسرائيل حقوقهم في أراضيهم ، حيث تم حرمان الفلسطينيين خارج إسرائيل من مواطنتهم وأراضيهم، أما المهجرين الفلسطينيين داخل إسرائيل فقد منحو الجنسية الإسرائيلية ولكنهم مُنِعوا من العودة لمنازلهم!.

– اقتراح اسرائيل على الدول المستضيفة للاجئين تجنيسهم وتعريفهم كمواطنين لديها ، لتنتهي من مشكلة لجوئهم ومطالبهم.

– إقامة المستوطنات على القرى العربية، ففي العام 1948 تم هدم أكثر من 500  قرية عربية وتهجير أهلها وتحويلها إلى مستوطنات يهودية ، وكذلك مشروع ” استغلال الأراضي البور ” الذي سن في نفس العام ، والذي يفرض على صاحب الأرض أن يزرع أرضه، وإن لم يبدأ بزراعتها فيحق للوزير أن يضعها تحت تصرفه. 

ولازالت اسرائيل مستمرة في إنشاء المستوطنات والسيطرة على الأراضي العربية، ومستمرة في مشروعها الاحتلالي وسن القوانين التي تهجر السكان العرب لتحصيل المشروعية الكاملة  لكيانها اليهودي.

ولكي تنهي إسرائيل الضغوط الدولية عليها بوجود هؤلاء اللاجئين ، سعت في عدة  مشاريع لتصوير المشكلة باعتبارها إنسانية بحتة، متجاهلة أصل المشكلة السياسي المتمثل بالاحتلال والتهجير ، ولكي تتخلص أيضاً من مطالب عودتهم لأراضيهم ومن تهمة تهجيرهم ، فمشروع ( دايان، وفايتس ، ودوف زاكين )  وغيرها من المشاريع المشابهة التي تقدم في ظاهرها المساعدة للاجئين وهي تسعى لتوطينهم في الخارج ونسيان حقهم في العودة ، فهي تركز على الجانب الإنساني والاقتصادي من خلال التعويضات، وتتناسى البعد الوطني والسياسي للقضية الفلسطينية ، لتتجاوز إسرائيل مسؤوليتها عن تهجيرهم وسرقة وطنهم .

إن جميع آمال اللاجئين وطموحاتهم تقتل في معاهدت سلام تُلغي حق عودتهم أو لا تأخذها بعين الاعتبار كحق ومطلب رئيسي لأي عملية سلام متوقعة ، خصوصاً وأن إسرائيل مستمرة في نهب الأراضي وقراراتها الترانسفيرية  العنصرية وسياسات الاستيطان.

باختصار ، فإن كل ما تقدمه إسرائيل في المفاوضات هو المزيد من الأكاذيب مع استمرارها بعمليتها الاستيطانية ، وهي لم ولن تقدم بشكل جدي أي حلول تضمن حق العودة أو حتى حق التعويض لهؤلاء اللاجئين ، ومن الغباء تصديق أن هذا المغتصب المحتل سيقدم مثل هذه الحلول.

لو كانت السلطة الفلسطينية ومعها الدول العربية – التي تدعم مسار التفاوض العبثي مع الصهاينة – جادة في التمسك بالحق الفلسطيني فإن أهم ما يجب أن تتمسك به هو حق العودة للاجئين ورفض أي محاولة لانتهاك هذا الحق بتعويضات مالية أو بتوطين اللاجئين في دول أخرى ، ونرى أن هذه السلطة أضعف من أن تتمسك بحق، وهي تذهب في كل مرة لتقديم المزيد من التنازلات، لكن أي تنازل عن حق العودة لن يعبر عن إرادة الفلسطينيين والعرب ، ونقول كما قال لاجئ فلسطيني عن هذه الاتفاقيات والمفاوضات ” أن حق العودة هو حق مقدس ، وهو أكبر من كل المسؤولين والمفاوضين ، وهو إحدى الأدوات الأبرز في تاريخ  الصراع ، وحق واضح وضوح الشمس ، فلا مجال لأحد أن يقفز عنه أو يتجاوزه لأنه سيخسر تأييد ملايين اللاجئين وسيلعنه التاريخ”.

%d مدونون معجبون بهذه: