مدن الملح، تائهة!

نشرت في صحيفة الخندق.

“الرهان الذي بيننا وبين الآخرين ليس أننا قادرون أو غير قادرون، الرهان هو الزمن”

الأخدود، رواية مدن الملح لعبد الرحمن منيف

***

لم يكن لفظ مدن الملح الذي عنون فيه الروائي عبدالرحمن منيف خماسيته القيمة، توصيفاً بقدر ما كان نظرة ثاقبة ومستشرفة للمستقبل، فمآل هذا الملح أن يذوب مهما طال الزمن. واليوم وبعد قرابة التسعة عقود على قيام المملكة العربية السعودية من المباح القول أن مدن الملح في خضم مرحلة جديدة ومصيرية، أخذاً بجميع المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية وصولاً الى أثر جائحة الفيروس التاجي المستجد. إنها مرحلة عنوانها التيه الإستراتيجي إجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، لنجد أنفسنا بعد عقود خلت نعود مرة أخرى لذات التيه الذي عنون به منيف مجلده الأول.

نبض النفط ينبض

عمم ربط تاريخ منطقة الخليج بشكل متلازم مع اكتشاف النفط، وهو أمر مفهوم، نظراً للتلازم الحاصل بين نشوء هذه الكيانات على هيئة دول بأجهزة بيروقراطية منظمة واكتشاف مخزون الأرض من النفط والغاز. إلا أن تاريخ المنطقة بالطبع يمتد أبعد من ذلك، بل إن للمراحل التي سبقت عصر النفط عناصر تشابه كثيرة بهذا العصر. فمن الناحية الاقتصادية لم يكن الوضع كما عمم في الوعي العام لدى الكثيرين حالياً من حالة من القفار أو نمط اجتماعي تهيمن عليه البداوة بشكل حصري.

ففي عصر ما قبل النفط هيمنت عملية استخراج اللؤلؤ على اقتصاد ساحل الخليج العربي كعملية ناظمة للمجتمع من توظيف ومراكمة للثروة، حيث كانت عملية الغوص واستخراج اللؤلؤ وتصديره مصدر الدخل الرئيس للمجتمع في الخليج.على الرغم من أن العوائل يومها كانت أكثر استقلاليةً عن الدولة، حين كانت تستقطع منهم الضرائب على التجارة والزراعة والغوص لحصد اللؤلؤ، على عكس اليوم حيث يشكل القطاع الخاص في الخليج مجرد امتداد لعملية تدوير الريوع البترودولارية.

يلعب اللؤلؤ دوراً في خطوط التجارة للإمبراطورية البريطانية الممتدة من الهند مروراً بالخليج حيث تصاعد في القرن التاسع عشر الطلب على اللؤلؤ من قبل الطبقات البرجوازية في أوروبا. إلا أن عصره وصل الى قمته قبل انهياره في عشرينيات القرن العشرين لعوامل مرتبطة بالكساد العالمي وتطور إنتاج اللؤلؤ الصناعي في اليابان.

تواجه اليوم عملية انتاج النفط في الخليج مآلات مشابهة، ولفظ الإنتاج هنا ليس بدقيق، فالمسألة مجرد عملية استخراج وتصدير لمادة خامة رغم مرورها بمعامل التكرير، فحتى ما تسمى بالمدن الصناعية في المملكة من جبيل وينبع، مدن متمحورة بشكل أساس حول عملية الإستخراج هذه الى جانب العديد مما يطلق عليه بالصناعات المساندة.

و كما كانت عملية استخراج اللؤلؤ أسيرة للطلب الخارجي وتذبذبات الإقتصاد العالمي فإن عصر النفط شكل استمرارية لعملية الأسر ذاتها وان اختلفت السلعة. أسر لم تلحظه الطبقات الحاكمة في الخليج، إلا بما يتعلق بتصور عام من علاقة مصيرية بين حكمها ومحض وجود النفط وعدم نضوبه أي نفاذ مخزون الأرض منه، بشكل تعكسه بسريالية العديد من التحف التذكارية في مدينة دبي “Stay Calm We still have Oil” فلا داعي للذعر فلا نزال نملك النفط. بيد أنه من الممكن ملاحظة هذا الذعر الشعبي على وسائل التواصل الإجتماعي بشكل يتناسب عكسيا مع سعر براميل النفط.

فغرقاً في خيلائها على مر العقود لم تعتبر الطبقات الحاكمة من الخلل الحاصل في عملية استخراج اللؤلؤ، حيث أن مخزون  أعماق الخليج لم تنفد من المحار. ولم تع بأن مسألة انتاج النفط أعقد وأكثر تشابكاً من محض توفر السلعة أم لا، بل إن عملية الإنتاج بأكملها مرتبطة برهانات سوق دولية معقدة تحكمها ضوابط عرض وطلب مختلفة عن باقي السلع الأخرى على مر التاريخ.

فاليوم لم ينبض مخزون النفط في باطن الأرض، إلا أن عملية خفقان ونبض النفط في شرايين وأوردة السوق الدولية معرضة لخطر محدق. فرغم التذبذب التاريخي المعتاد لعملية الطلب على النفط، وارتباط ذلك المباشر على المستوى المعيشي والحالة الإقتصادية في الخليج، تلوح في الأفق عملية وصول الطلب على النفط الى ذروته، وهو ما نعاصره اليوم بمشهد مصغر جراء أزمة جائحة كورونا وأثرها على الطلب العالمي، لكن المشهد الأكبر يتحقق في حال انقلاب في نمط الإنتاج العالمي المتصل بالنفط خصوصا للأسواق والإقتصادات الغربية. فعوامل كالتغير المناخي والجنوح نحو الطاقة البديلة خصوصاً بما يتعلق بقطاع المواصلات والنقليات وهي المستهلك الأكبر للنفط ومشتقاته لتشير العديد من التوقعات الى وصول الطلب لسقف مؤطر ما بين 2030 و2050 كما يبين الباحث في مركز الخليج لسياسات التنمية عمر الشهابي.

وعليه، فان دول الخليج تكاد تصل لليوم الموعود لدفع ثمن هذا الخلل الإنتاجي والمقامرة الكبرى التي بدأت منذ عصر اكتشاف النفط، بل أن الأسوأ اليوم أن العهد الحالي الحاكم في المملكة العربية السعودية لا يرى المشكلة رغم ادعائه بأن جوهر الرؤية الإقتصادية وهي عماد هذا العهد، أتت لتنهي ما عبر عنه ولي العهد محمد بن سلمان “إدماناً على النفط”.

علاج الملح بالملح

إن النمط البديل المراد تبنيه سعودياً، لا يتجاوز عملية استنساخ جبارة لمسار اتخذته إمارات الخليج الأخرى من دبي وامارة قطر منذ انقلاب الشيخ حمد آل ثاني على أبيه في التسعينات. وهو نمط يتغاضى فيه العهد السعودي الجديد بشكل رغبوي عن الأسباب الذاتية التي أخرته في المقام الأول. فللمملكة السعودية اختلافات جوهرية عن أخواتها الصغرى، من الجغرافيا الواسعة والتعداد السكاني وصولا الى المكانة الدينية التاريخية المفترضة المتعلقة بوجود الحرمين الشريفين وتبعات ذلك على التاريخ المحلي وشرعية الحكم وتمكينه.

يرتسم هذا النمط بعناوين ايجاد موارد بديلة وتنويع للإقتصاد بعيداً عن النفط، الا انها في الأخير لا تعبر عن عملية اصلاح لهياكل الإقتصاد القائمة ضمن خطة تنموية ذات ركائز مستقلة ومستدامة تستهدف الخروج من الحالة الريعية، على نمط اقامة اقتصاد حديث قائم على الاستثمار في الصناعة وتوطين التكنلوجيا وقيادة الدولة للتنمية البشرية على أسس التعليم والتدريب وتملك رأس مال المعرفة، وبناء دائرة انتاج لفائض القيمة تحت الإطار السيادي للدولة. وهو توجه وان كان سيواجه غربياً وأمريكياً كونه يتناقض مع الدور التاريخي لدول الخليج على مسرح العلاقات والإقتصاد الدوليين، الا انه ليس في مخيلة الطبقات الحاكمة أو حتى مجمل الطبقات الشعبية في الأصل.

من الممكن الإصطلاح على النمط الخليجي المراد تبنيه فتبييض أموال العوائد النفطية على شكل المضاربات والإستثمار لتحصيل أرباح سهلة من دون كلفة انتاجية، بمعنى اعادة توجيه موارد النفط والصناديق السيادية وصناديق الإستثمار في عمليات استثمارية في الأسواق العالمية وشراء حصص من كبريات الشركات العابرة للحدود وتحصيل الأرباح منها.

 وتتعدى المسألة هنا خطورة عدم الإستقرار هذه الإستثمارات الى عملية تحويل للدولة الى شركة استثمارية خاصة ضخمة تتملكها العوائل الحاكمة، وأثر ذلك على الشعب الذي يجد نفسه انه ولد لا بدولة بجنسية وحقوق مواطنة بل موظفاً في شركة لا يملك حصة فيها ولا تاثيرا على قرارها. وهو أمر يشكل نقلة وهزة نوعية للدور الإجتماعي للدولة الخليجية ووظائفها ويضرب في صلب شرعيتها التاريخية عبر ضخ الريوع وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

وهنا ما تختلف به باقي الدول الخليجية عن المملكة فعملية التوفيق التي قامت بها باقي الإمارات والمشيخات مستغلة قلة التعداد السكاني وعملية إستيراد طبقة عمالية بأسرها من آسيا، حيث أبقت على ضخ الريوع “للمواطنين” عبر استيعابهم في القطاع العام مقابل استجلاب العمال “الوافدين” و”المقيمين” الذين يشكلون العماد الأساس للقطاع الخاص. إلا أن المشهد في المملكة مختلف فلا يمكن للدولة استعياب القوة العاملة من حاملي الجنسية في القطاع العمومي نظراً لحجمها، ومن هنا تكون عملية رفد القطاع الخاص بحاملي الجنسية مختلفة حيث يجب قوننة وتهيئة هذا القطاع لاستيعابهم من ناحية الحقوق وساعات العمل وظروفه، وهو أمر لم تكن الدولة بوارد اصلاحه لمصلحة العمال الآسيويين، ومن هنا يلعب التوظيف في القطاع الخاص ونوعيته وأهميته شكلا آخر في الحالة السعودية.

لا يمكن فصل اتخاد النخب الحاكمة الخليجية من الدافع الثقافي الذي ترسمه الأيدلوجية الليبرالية المحتكرة للعالم، فما النخب الحاكمة خليجياً خصوصا العهد السعودي الحالي إلا عملية تمظهر لهيمنة الأيدلوجيا تلك مرتكزة على هامشية مستلبة للمركزية غربية، ليكون النمط مجرد محاولة لتيجاد ملحق اقتصادي تابع لذلك المركز، فكما لكبريات الشركات العالمية يرتكز النهج السعودي على شركات العلاقات العامة، الا ان الدولة هنا توظف تلك الشركات لمخاطبة المستهلك العالمي في الغرب سواء لجلب الاستثمار المباشر أو السياح وبناء البنية التحتية للبلاد لا للمواطن والمقيم على هذه الأرض، بل للمستهلك والمستثمر الغربي في مشهد يذكر فبوصف منيف لمشهد وصول الأمريكيين الى شواطئ البلاد من على القوارب وما تبع ذلك من تجريف السكان المحليين. حيث تهدف هذه العملية الى بث الروح في مدن الملح بالملح ذاته، في استمرارية وضخ لبناء مدن ملحية جديدة، من مشاريع نيوم والقدية والبحرالأحمر، وهي مدن وصروح معمارية متخيلة تقوم وتهيئ لخدمة مستوطنين أغلبهم من الدول الغربية وتمكين رفاهيتهم، بعيداً عن رفد الريع النفطي في استثمارات في رأس المال البشري والطبقات الشعبية وتمكينها عبر صناعات وبنى تعليمية ومهنية وثقافية سيادية ومستقلة ومستدامة.فالمسألة هنا هي تكرار لمرحلة العقود الأولى لقيام شركة النفط السعودية الأمريكية -أرامكو- لكن بشكل متسارع وأوسع ومحقن بإبر المنشطات.

من الإستعمار الناعم الى الإستعمار الذاتي

رغم شح الدراسات المتعلقة بتاريخ الأثر الاجتماعي لقيام شركة أرامكو في السعودية سوى قليل من الدراسات والكتابات الأدبية واللإرث الشعبي، إلا أنه من الباح وصف صيرورة قيام الشركة واستيطان البيض الأمريكيين كموظفين بعوائلهم وتمكينهم في مجمعات سكانية ضخمة وفارهة، مقابل ظروف سيئة وتكاد معدومة للموظفين من السكان المحليين باستعمار ناعم. هذه الظروف أنتجت عدة انتفاضات واضرابات عمالية عالجتها الدولة بالقمع والإعتقال على المدى القريب ولتتبنى توجها آخر أكثر ديمومة مع بدء الطفرة النفطية في السبعينات للتخلص من توظيف المواطنينفي العديد من قطاعات مقابل استيراد عمال أجانب معدومي الحقوق بدلا عنهم.

فمن الأثر الشعبي كتغلغل اللغة الإنجليزية في المجتمع خصوصاً في المنطقة الشرقية حيث كان العديد من الجيل الأول من الموظفين أميين في اللغة العربية الا أنه تم تعليمهم القراءة والكتابة باللغة الإنجليزية، الى طبيعة تفاعل المجتمع المحلي مع الشركة والبضائع المستوردة التي يجلبها الموظفون منها وصولا الى العلاقة مع المستوطنين البيض الجدد الذي الى اليوم يعيشون في مجمعات سكانية منفصلة بحقوق ومستوى معيشي فاره وبنى تحتية متطورة، بل ان تصميم الأحياء هو استنساخ للهندسة المعمارية للأحياء الأمريكية. لتكون هذه المجمعات التي يمنع دخول المواطنين لها سوى بموافقات من الشركة بمثابة فقاعات تحصن موظفي الشركة من الغربيين من الإختلاط بالمجتمع المحلي، لتقود المرأة البيضاء السيارة منذ عقود داخل هذه المجمعات ولا يفرض عليها الحجاب مع تواجد الكحوليات وانتفاء معظم الضوابط الإجتماعية التي تسلطت بها التيارات المحافظة فوق رقاب المجتمع عبر تمكين الدولة لهم.

يتكرر المشهد اليوم، لكن بعملية استعمار ذاتية قوامها جلب الشركات الدولية، على عكس حالة أرامكو التي انتهت بتملك الدولة لها، فتحاول الدولة هنا خلق واحات استثمارية لكن على مختلف الجغرافيا وليس حصراً بمناطق الثروة النفطية، لتكون الخطط والمشاريع التي يروج لها عبارة عن بيئات استثمارية معزولة يجرف فيها السكان المحليين لتكون محطة استيطان آخر للطبقة المستثمرين المعولمة حول العالم، يوظف فيها المواطنون خدمة لتلك المشاريع الخدمية والترفيهية. بينما تتحول كبيرات العوائل المهيمنة على القطاع الخاص، أو ما يطلق عليهم محلياً بالهوامير – إشارة لأحد أكبر أسماك الخليج العربي – الى شركاء في تلك المشاريع رغم تضرر العديد منهم من الإنفتاح الإقتصادي الذي كسر هيمنتهم على السوق الوطني عبر التهامهم من الشركات الخارجية. والمسألة تتعدى الشراكة الربحية الى الإستهلاك حيث ستوفر لهم هذه المدن مساحة للإستهلاك لا تتاح لمجمل الشعب من ذوي المداخيل المحدودة. هذا الأمر يعكس أحد أبرز تحولات العهد السعودي الحالي الذي يتصرف مسلماً لخسارة الطبقات الشعبية دون الحاجة لشرائها عبر إعادة توزيع الريوع وهي أحد أهم أدوات شراء الولاء تاريخياً، أما اليوم فالأداة الوحيدة المستخدم هي القمع والترهيب.

التيه

حالة التيه المعاصرة للخليج لا تتمظهر فقط في سياسات الطبقات والنخب الحاكمة، التي لا ترى الخلل الإنتاجي إلا من منظور فرصة جديدة لتمكين الأرباح، إنما اليوم دون عبء التيارات الدينية وتخريبها لأمل سابق في ما يسمونه تهيئة الشعب للإنفتاح وخلق بيئة استثمارية واعدة. بل أن هذا التيه يمتد الى خلل في قراءة المسرح والتوازن الدولي الجديد خصوصاً على الصعيد الإقتصادي والمالي، حيث من الممكن اسقاط المثل الشعبي بأن هذه الطبقات ذاهبة للحج في الإستثمار الغربي وارضاء المجتمعات البيضاء والناس راجعة. حيث أننا نشهد اليوم ظرفاً تاريخياً غير مسبوق من الصدمة العالمية التي أنتجتها جائحة كورونا والتي ستشكل ليس بالضرورة عبر تبعاتها المالية المباشرة، بل الأثر الغير مباشر الذي ستحفزه في الدول الغربية والولايات المتحدة على وجه التحديد من تسارع في بروز التناقضات الداخلية الى السطح وانعكاس ذلك على الدور الأمريكي الخارجي. فرغم الحالة الإحتفالية التي وجهتها النخب السعودية بعيد الإعلان عن الميزانية الأخيرة انطلاقاً من ما أطلقوا عليه ارتفاع نسبة الواردات غير النفطية، انكشفت الى العراء مجدداً الوضع الإقتصادي سواء جراء الكورونا أو مغامرة حرب أسعار النفط، ليساهم الأول في وأد أي “مدخول بديل” عبر السياحة والإستثمار ويضعها بشكل فاضح عرضة بشكل فاضح للتساؤل فيما كانت تعبر عن بديل استراتيجي ومستدام للنفط، ويؤدي الأخير الى الحاجة الى “شد الحزام” كما عبر وزير المالية السعودي وفرض اجراءات ضريبية اعتباطية.

إن التمظهر الآخر لهذا التيه يتشكل في العديد من المثقفين والكتاب الخليجيين الذين وان وصف العديد منهم الخلل بشكل صائب الا أنهم يستمرون في حالة السكر الليبرالي بتعليق الحل بما يطلقون عليه المشاركة الشعبية في القرار السياسي كعصا سحرية. في تجاوز لواقع آخر أن لا ضمانة بأن تشكل المشاركة لوحدها طوق النجاة، فالحل ليس المشاركة كغاية بل نتاج العملية على الأرض، وفي ظل هيمنة طبقة ونخبة على الدولة فلن تكون المشاركة الا أداة لإعادة انتاج النخبة لنفسها ككل الملكيات الدستورية تاريخياً، لينتصر اليمين ويحتكر السلطة مطيلا لعمر نفس النخب الحاكمة في عصر الحكم المطلق.

وعليه، من الأمانة للأجيال القادمة توجيه الشعب الى أصل المشكلة، بأن تيهكم هذا لا ينتهي دون تفكيك هذه النخب وشبكة علاقاتها المادية والوشائجية، أي عبر الحرص على تحشيد شعبي يجتث كل مراكز القوى التقليدية ويضمها تحت سلطته. وليس عبر المراهنة على تناقضات مختلف الأجنحة الحاكمة ومراكز القوى التي يمثلها كل جناح، أو عبر محاولة الإحياء السياسي للعديد من النخب التي ذهبت ضحية لا لتناقض مع الحكم بل تناقضات الحكم مع ذاته.حيث أنه لا أمل بأي مخرج من عملية ديمقراطية ومشاركة شعبية دون تهيئة أدنى معايير العدالة الإجتماعية وانهاء حالة الإمتياز التاريخي سواء كان المادي أو الثقافي لعوائل وأفراد بنت هذا المجد عبر تزلفها واستغلال قربها للحكم الملكي في المقام الأول.

ففي الأخير، الهدف الأسمى هنا ليس أن يزاحم الشعب تلك النخب على “كعكة” موارد الوطن، ولا أن يكون الوطن “كعكة” للجميع، بل أن نعيد قلب الواقع الإجتماعي والثقافي والإقتصادي بشكل جذري لكي لا نكرر أخطاء الماضي التاريخية فالوطن ليس كعكة أو بيضة تبيض ذهب  للتقاسم وتستهلك من قبل الجميع في المقام الأول، بل هو عبارة عن يمثل الشعب ذاته في مؤسسات منتجة اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وتتفاعل مع بعضها تحت ظل بنية قانونية، وإن كان ينظر لمثل هذه المعالجات بـ”الرديكالية” فلنعود هنا لبداية النص: الرهان الذي بيننا وبين الآخرين ليس أننا قادرون أو غير قادرون، الرهان هو الزمن!

%d مدونون معجبون بهذه: