حول ما يسمى مشروع “الضّم”

الكاتبة: سلمى شوبان
أعلن الإرهابي رئيس وزراء العدو الصهيوني عن ما أسماه “ضمّ أجزاء من الضفّة وأغوار الأردن ” والذي من المقرر الشروع فيه في الفاتح من تموز 2020 . بعيدا عن إبر التخدير التي يتم عادة حقن الجسد العربي بها ، فإنّ هذا “الضّم لا يُعدّ سوى إجراء شكلي وتحصيل حاصل لتنازل سبق أن وقّعته طغمة البرجوازية التي ركبت الثورة الفلسطينية واستولت على قرارها  واحتكرته لتسلك مسلكا انهزاميا ندفع ثمنه اليوم ، إذ يقول الجنرال الفييتنامي جياب : “إذا أردت أن تُفسد ثورة ، أغدق عليها بالمال ” . لا يمكن الحديث عن هذا “الضّم” (والذي قد تم بالفعل ) دون الحديث عن أوسلو وأخواتها ، بنات  العلاقات الآثمة بين البرجوازيات العربية والعدو الصهيوني .

يقول حكيم الثورة الفلسطينية جورج حبش في كتابه  “أزمة الثورة الفلسطينية جذور وحلول ” في فقرة تطرق فيها إلى حقيقة الصراع التاريخي مع العدو الصهيوني : ” لا أمل في سلام حقيقي ولا نستطيع أن نضمن مستقبل أجيالنا في حالة بقاء جرثومة الصهيونية على الأرض العربية ، الإتّفاق يعني بشكل واضح ضرب تحالفات الثورة “.

وذكر في نفس المؤلف : “إنّ انهيار هذه الشريحة من البرجوازية الفلسطينية أمام هذا الصراع وابدائها الاستعداد لحل الموضوع الفلسطيني من خلال الطريق الأمريكي هو الذي سيسهل تعريب كامب ديفد على كامل المنطقة العربية . وعندها لن تجد السعودية ، أو دولة الإمارات أو أي نظام رجعي عربي آخر أيّ حرج في التحالف مع الإمبريالية والصهيونية بشكل علني، وهذه هي خطورة هذه الخطوة”

إنّ تعريب كامب ديفد الذي قصده الحكيم هو ما حصل بعد 8 سنوات من إصدار هذا المؤلَّف ، المتمثل في إتفاقية أوسلو المشؤومة ، والتي كانت هي الأخرى تحصيل حاصل سَلك البرجوازية العربية الخط الانهزامي وانحرافها عن المسار الثوري منذ السبعينات ، فاتّضح جليّا استعدادها لتقديم تنازلات كي تحفظ امتيازاتها الطبقية ، فلا بد أن لا نمر مرور الكرام على هذه المحطة لتفسير مشهد استقبال برجوازيي أوسلو للمستوطنين في مدينة “روابي” ، بل لتفسير أيضا محاولة خلق فلسطيني جديد ك”طريق ثالث” كما أسماه المتأمرك سلام فياض عرّاب مدينة روابي التطبيعية الذي يريد خلق  نموذجا  للفلسطيني الجديد المنسلخ تماما عن معركته الوجودية عن طريق فرض سياسات نيولبرالية . كما أنّه من الضروري فرز وترتيب التناقضات وتحديد طبيعة الصراع لفهم قضيتنا وتمييز الحليف عن العدو ، بل ومعرفة طبيعة العدو نفسه.

وصف الزعيم الكوري الراحل “كيم إل سونغ” الكيان الصهيوني بإنّه تابع ذليل للولايات المتحدة الأمريكية . وهذا أدقّ وصف لهذا الكيان المارق ، لأنّه تجسيد لمشروع كولونيالي إمبريالي . ولتحليل هذه العبارة ، نعود إلى عنوان كتاب الزعيم البلشفي فلاديمير لينين : “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” ، إذ يؤدي تراكم رأس المال إلى البحث عن أسواق جديدة وكذلك منابع ، ما ينتج عنه استغلال أمّة لأمّة أخرى. ولا بدّ كذلك للاشارة إلى الطبيعة التوسعية لهذا المشروع ، فمن يرى خريطة إسرائيل المزعومة على ملصقات الجماعات الصهيونية الارهابية المسلحة ( الهغاناه ، الأرغون ، البالماح ، الشتيرن…) التي قامت بعملية التطهير العرقي للشعب الفلسطيني ، سيلاحظ أنّ خريطة هذا المشروع الكولونيالي تمتد من النيل إلى الفرات .

بدون شكّ وجود مقاومة وهو ما يحول دون هذا التوسع وكبح جماحه ، فهي كما وصفها الشهيد الخالد باسل الأعرج : “جدوى مستمرة ” ، وهي أيضا السبيل الوحيد للحرية والانعتاق من هذا السرطان الامبريالي الذي ينخر الشعوب ،يستنزفها ويهدد وجودها . كما أن المسماة أمريكا قامت على إبادة الشعوب،إذّ  شجّع قادة الغزاة الأوروبيين وأدواتهم فكرة الاصطفاء الديني لما يسمى بيهود الروح (الانكلوسكسون) أو الأمّة الأمريكية وحقهم فيما يسمى باسرائيل التي كانت أرضا يسكنها 400 شعب وأمة وأكثر من 112 مليون إنسان تمت إبادتهم. و دوما “اسرائيل” و”كنعان” شمّاعتان لأي فعل كولونيالي  .

بعد الحديث عن طبيعة الصراع ، لنسلط الضوء على التنازلات التي قدمتها البرجوازية العرفاتية بدعم من الكمبرادورات العربية خصوصا في الكيانات الطارئة بالخليج ، التي يٌعد نفطها شريان يغذي الإمبراطورية المارقة ، وحبل مشنقة لشعوب الشرق .

كان دعم عرفات هو السبيل لتعريب كامب ديفد كما أسلف الحكيم ، كي لا تجد هذه الكمبرادورات حرجا في الافصاح عن عمالتها تحت شعار : ” هل نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم؟ ” . زيارة عرفات للسادات متحديّا “القطيعة العربية” له، فتح مجالات للترويج إلى ثقافة إنهزامية بقبول الكيان الصهيوني كأمر واقع يجب “التعايش معه” ، فوقعت منظمة التحرير الفلسطينية (التي سيطرت عليها البرجوازية الكمبرادورية العرفاتية وأزاحت الشقيري عنها وقوّضت عمل جبهة الرفض بدعم من الرجعية  العربية) سلسلة من التنازلات بداية بأوسلو الأولى يوم 13 سبتمبر 1993 ، إذ اعترفت منظمة التحرير بما يسمى اسرائيل وأدانت كل أشكال المقاومة، تلتها عدّة إتفاقيات ، ومعاهدات اقتصادية ، مثل : إتفاقية غزة-أريحا عام 1994 التي تم التطرق فيها إلى ما يسمى بالحكم الذاتي للسلطة الفلسطينية ، تلتها بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994 الذي كان ملحقا لاتفاقية طابا في سيناء التي سبقتها مجزرة الحرم الابراهيمي الذي استشهد فيها 30 فلسطيني بعد اطلاق النار عليهم من طرف مجموعة مستوطنين صهاينة ارهابيين على رأسهم الارهابي باروخ غولدشتاين ، تم التوقيع عليها في المدينة التي تحمل اسم المجرم جورح واشنطن عام 1995. نتج عنها ما يسمى مناطق : ” أ “، “ب ” ، “ج”  في الضفة الغربية. وقد منحت سلطة أوسلو بعض الصلاحيات في منطقتي ” أ” و “ب” ، وهذه الصلاحيات التي ظفرت بها السلطة ماهي إلاّ لأداء وظيفتها ككلب حراسة للعدو القبض على المقاومين وإجهاض أي مشروع مقاوم قبل أن يولد ، وقتله إذا وُلد .

عودة إلى الضّم ، لا بد أن لا نتجاهل وثيقة “عباس بيلين” عام 1995 التي عرضها الصهيوني الارهابي  يوسي بيلين على  رئيس السلطة الحالي محمود عباس يشغل منصب رئيس وزراء أنذاك ، هذه الوثيقة منحت للعدو السيادة العسكرية على مناطق من القدس العاصمة الفلسطينية وضم مستوطنات الضفة ، كما جاء فيها دولة منزوعة السلاح ، إلغاء الأونروا وتوطين اللاجئين في ملاجئهم.

فكم يبدوا مشهد الادانة من سلطة أوسلو التي يرأسها عباس وباقي الكمبرادورات العربية وحدائق أمريكا في الإتحاد الأوروبي مشهدا هزليا . لأنّ السلطة ماهي إلّا كمبيوتر وحد مع الاحتلال كما وصفها الشهيد حمزة أبو الهيجاء ، فالضم عمليا قد حصل ويجب ان لا نتجاهل حقيقة أن هذا المشروع الصهيوني توسعي ، وتوسعه يشبه آلية عمل السرطان في جسم الإنسان ، فلن تحصل نهضة حقيقية في منطقتنا ما لم نستأصل هذا الورم من جذوره وما لم نلتف حول المقاومة، كلّنا كشعوب في الشرق وطبقات مسحوقة تتعرض للاستغلال معنيون بهذا الصراع الوجودي  مهما اختلفت مواقعنا الجغرافية .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: